الغزي
56
نهر الذهب في تاريخ حلب
خالس . قال : وهو نهر صغير فيه أنواع من السمك والسوريون يحسبونه إلهة ولا يسمحون لأحد أن يصيده وكذلك الحمام كانوا يعبدونه ولا يرضون على من يؤذيه . اه . قلت : المعروف عندنا الآن أن مبدأ هذا النهر من عينتاب . وبعد أن يتصرف أهل عينتاب بمائه كما شاؤوا تجري منه بقية إلى حلب فتمر على قريتي ساسغين وجاغدغين في قضاء عينتاب فتمده عيونهما فيعظم . وعند وصوله إلى قرية حيلان على بعد ثلاث ساعات من حلب يدخل نحو ثلثه في معبر إلى قناة حلب ، والثلثان يجريان لسقاية البساتين في حافتيه . ثم في قرب حلب تمده العين البيضاء وعين التل . وبعد أن يجاوز قرية الشيخ سعيد بنحو ساعتين تنصب إليه العين المباركة ويسقي بساتين قرية الوضيحي ، وقرية الحاضر ، ثم لا يزال يجري حتى يغور في أجمة المطخ . وفي الصيف يفنى ماؤه في سقاية الأراضي بقرية خان طومان لقلة مائه حينئذ . ولو اعتنت الحكومة به صيفا ومنعت القرى المجاورة له قبل حلب من سقي أراضيهم منه لقام بكفاية حلب وبساتينها أتم قيام بدون مضايقة ولا تقسيط ، فإن أصحاب البساتين كثيرا ما يقسطون ماءه صيفا ، فيأخذه الشماليون أسبوعا والقبليون أسبوعا . ورأيت في سجلات المحكمة الشرعية بحلب إعلاما تاريخه 1159 يتضمن منع أهل قرية ساسغين وجاغدين من أخذ ماء تلك العيون لسقي أراضيهم . وقد اعتادت الحكومة أو دائرة البلدية أن تجمع في كل سنة من مستحقي مائه مالا تسميه مال النهر ، تصرفه على تصليح حوافيه وكري « 1 » الوحول الراسبة فيه . ولهذا النهر في بعض السنين طغيان عظيم من كثرة الأمطار فينبسط ماؤه إلى مسافة ميل من جانبيه ويحطم ما عليه من النواعير ، ويعطل بعض الأرحاء ، ويقلع كثيرا من الأشجار ، ويتلف الزروع الشتوية في البساتين ويهدم بيوتا كثيرة من محلة الوراقة على حافته الغربية . لكن هذا الطغيان لا يدوم فوق عشرين يوما ثم يأخذ بالتناقص حتى يعود إلى حالته الأولى . وقد طغى في زمن سيف الدولة الحمداني حتى أحاط بداره على سفح جبل الجوشن وفي ذلك يقول أبو الطيب المتنبي « 2 » : حجّب ذا البحر بحار دونه * يذمّها الناس ويحمدونه ! يا ماء هل حسدتنا معينه * أم اشتهيت أن ترى قرينه ؟
--> ( 1 ) الكري : الحفر . والمراد هنا الجرف أو تفريغ المجرى . ( 2 ) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ، لليازجي ص 382 ط . بيروت 1305 ه ، 1887 م .